أبي طالب المكي

134

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

التوحيد وشاهد القيومية لأنه من باب مشاهدة الصفات الغيبية ومشاهدة الأفعال الملكوتية ، وهو الفرقان الذي وعده الله تعالى المتقين من المؤمنين فقال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ) * [ الأنفال : 29 ] ، قيل : نورا أتفرقون به بين الشبهات وهو المخرج الذي ضمنه الله تعالى لأهل التقوى ، والمنهج في قوله تعالى : * ( ومن يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ) * [ الطلاق : 2 ] . قيل : من كل أمر ضاق على الناس به فتفصيل معاني التوحيد من شواهد الناظرين أضيق الضيق ، وشهادة الجمع في التفرقة والبقاء في الفناء أخفى . وشرح غريب عن الأسماع ينكر أكثره أكثر من سمعه ، غير أنّ من له نصيب منه يشهد ما رمزناه ، فيكشف له به ما غطيناه . إلا أنه استولى على القلب أحد وجهين . فالخصوص أحبوه من طريق مشاهدة الصفات ، فحب هؤلاء بقلب ووجد لا يتغير أبدا ، وهم مثبتون فيه إلى لقاء الحبيب ، وهؤلاء عبدوه على التعظيم والمحبة والإجلال والكبرياء ، وفي هؤلاء المقرّبون والمحبوبون والخائفون والعاملون والمتوكلون والرضوان ، وهو المقام الأعلى وهم الأعلون عنده في المنتهى ، والعموم أحبوه من طريق مواجيد الأفعال ، وهي النعم والإحسان والأيادي والأفضال ، وعما أظهر من العوافي ومما أخبر عنه بما أسروهم الذين خدموه شهوة وعادة وحاجة ، أحبوه لمنافعه ومرافقة ولأجل ما في يده من ملكه . وحبّ هؤلاء يتغير لانقلاب الأحكام ، وهؤلاء لم يتحققوا بالإخلاص ولا الزهد ، وقد بقي عليهم من نفوسهم هوى ، حجبهم ذلك عن مخالصته وبعدهم عن مضافاته ، وهذه هي أوصافهم عائدة لهم وعليهم . فحبّ هؤلاء حول قلب لأن الأفعال التي أحبوه لأجلها تحول فيحولون ، وتختلف عليهم بالمكاره والمرائر فيختلفون ، وفي هؤلاء المريدون والعاملون والراجون والطامعون والتائبون وأصحاب اليمين من هؤلاء . وقد قال بعض العارفين : كل محبة كانت عن عوض إذا زال العوض زالت المحبة فمنهم من عرف حاله في مقامه ، فاعترف بنقصان محبته وتقصير شهادته واستغفر منها وأناب . ومنهم من ليس عليه ذلك لنقصان مزيده وضعف يقينه ، فكانت محبته عن صفات متصلة بذات . ويخاف على مثل هذا الانقلاب عند كشف الغطاء ، لأنه في اغترار وفتنة والتباس ومحنة ، وفي طريق مكر وهلكة إلا أن تداركه رحمة من ربّه ، فيوقف في حده في مقامه ويرده إلى حاله من مكانه ، فيتوب من محبته ويستغفر من شهادته . فحينئذ يرحمه الله تعالى فيدخله في أهل العفو . ويستر عليه في الآخرة كما ستر عليه في الدنيا ، فلقيه تحت الستر في الدارين . وهذه بعض مخاوف الصادقين من المحبين لأنها محبة إظهار لا ظهور ، فصاحبها في تقلَّب وغرور ، إلا أنّ أهل محبة الأفعال ينقسمون قسمين : منهم من